يوسف المرعشلي

283

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

بكري الزبري مفتي حلب « * » ( 1240 - 1312 ه ) الشيخ بكري بن أحمد بن الحاج عبيد البابلي الشهير بالزبري العالم الفاضل المتفنن . ولد بحلب في نواحي سنة 1240 ه . وفي مبدأ نشأته تعاطى صنعة العطارة فلم ينجح فيها فتركها ، ودخل المدرسة القرناصية وسنّه 17 عاما ، وأخذ في التحصيل وتلقّى عن الأحمدين : الترمانيني ، والحجّار . ثم ذهب لمصر في حدود سنة 1260 ، وجاور في الأزهر مدّة ، مع الضنك وضيق اليد ، وكان بعض أرباب الخير في حلب يرسل إليه دراهم يستعين بها . وقرأ في الأزهر على الشيخ الأشموني ، والشيخ الخضري ، وكان شافعي المذهب ، ثم تحنّف ، وطبع بعض الكتب فارتفق منها . وبعد أن تأهل أخذ في التدريس بالأزهر . ثم عيّن مفتيا لطنطا ، وهناك تعاطى مع الإفتاء صنعة الزراعة ، فأثرى منها وتجمّلت أحواله . ثم عاد إلى حلب سنة 1291 ، وأخذ في نشر العلم ، وهرعت إليه الطلّاب ، وبعد مجيئه بأشهر قلائل عين مفتيا لحلب ، فبقي نحو سنتين ، ثم عزل بالحاج عبد القادر أفندي الجابري المشهور بحاجي أفندي ، وبعد سنتين أعيد إلى منصب الإفتاء ، وبقي إلى سنة 1304 ففيها عزل حينما عزل والي الولاية جميل باشا ، وعيّن موضعه الشيخ أحمد الزويتيني . كان رحمه اللّه مربوع القامة ، أبيض اللون ، ذا شيبة نيرة ، بشوشا ، دمث الأخلاق ، حسن العشرة ، وعيّن مدرسا للمدرسة القرناصية يقرأ فيها الفقه الحنفي وغيره ، ومدرّسا في الجامع الأموي يقرأ فيه درسا عاما أمام الحضرة النبوية . ومن تلامذته : الشيخ علي العالم قاضي حلب ، والشيخ نجيب سراج واعظ الديار الحلبية ، والشيخ راجي مكناس ، والشيخ وحيد حمزة ، والشيخ أحمد الشماع ، والشيخ بهاء الكاتب ، وغيرهم ، واشترى دار الحاج أحمد الصابوني الشهيرة في محلة باب قنسرين ، وقد تكلمنا عليها في ترجمته ، ولم ينجح المترجم بعد شرائها فإنه عزل على إثر ذلك ، وقال أحمد راغب الطبّاخ : وكان بينه وبين سيدي الوالد مودة أكيدة ، واستصحبني غير مرة لزيارته في داره هذه وأنا صغير ، فكنت أرى فيه من البشاشة والملاطفة مالا مزيد عليه ، ولم يتسن لي الحضور عليه ، لأني ابتدأت في الطلب قبيل وفاته ، وكنت أقرأ في مبادئ العلوم . وله : « رسالة في علم الفرائض » ، « وتعليقات على دلائل الخيرات » مطبوعة على هامشها ، في الطبعة التي طبعت سنة 1277 ، وذكر أنه اقتبس ذلك من شرح العلامة الفاسي ، والشيخ سليمان الجمل ، والشيخ حسن المدابغي ، والعلامة السملاوي . وله رسالة سماها « كشف الران عن وجه البيان » وهي شرح لمنظومة الشيخ الأكبر في علم الزايرجة رأيتها وهي في 35 صحيفة . وكان رحمه اللّه كثير اللطف بالطلبة ، عظيم الرأفة بهم ، حتى إنه كان إذا جاءه المتولي على المدرسة القرناصية بوظيفته يسأله هل أعطيت المجاورين ؟ فإن قال له نعم يأخذها حينئذ ، وإلا قال له : أعط الطلبة وأخّرني فإنهم أحوج مني . إلى غير ذلك من مآثره الحسنة . ولم يزل دائبا على التدريس والإفادة إلى أن توفي ثاني عشر شوال سنة 1312 ، ودفن في تربة الكليباتي خارج باب قنسرين ، وكانت وفاته في جنينته المعروفة بجنينة التقى ، فإنه بعد أن توضأ وصلى العصر ، أراد ركوب دابته فلم يقدر وتوفي في الحال فجأة ، وكان لوفاته رنة أسف في قلوب الناس ، وكانت جنازته مشهودة ، امتلأ للصلاة عليه صحن الجامع الأموي على سعته رحمه اللّه تعالى .

--> ( * ) « أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء » للطبّاخ : 7 / 456 - 458 ، و « الأعلام الشرقية » لزكي مجاهد : 1 / 287 ، 288 .